السيد حيدر الآملي
45
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
الكهولة ، بعناية اللّه تعالى وحسن توفيقه كنت مجدّا في تحصيل عقائد أجدادي الطّاهرين الّذين هم الأئمة المعصومون عليهم السلام ، وطريقتهم بحسب الظاهر ، الّتي هي الشريعة المخصوصة بطائفة الشيعة الإمامية من أهل الفرق الإسلاميّة ، وبحسب الباطن الّتي هي الحقيقة المخصوصة بالطائفة الصوفيّة من أرباب التوحيد وأهل اللّه تعالى ، والتوفيق بينهما ومطابقة كلّ واحد منهما بالآخر ، حتّى تحقّقت حقّيّة الطرفين ، وعرفت حقيقة القاعدتين وطابقت بينهما حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة ، وصرت كما صرت جامعا بين الشّريعة والحقيقة ، حاويا بين الظاهر والباطن ، واصلا إلى مقام الاستقامة والتمكين ، قائلا قول من كان مثلي من أرباب اليقين وأهل التحقيق ، الحمد للّه الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه ، شعر : كانت لقلبي أهواء مفرّقة * فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي فصار يحسدني من كنت أحسده * وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي تركت للنّاس دنياهم ودينهم * شغلا بذكرك يا ديني ودنيائي ! وليس ذلك بدعوى ولا رعونة ، بل تحدّثا بنعم اللّه تعالى وألطافه ، لقوله تعالى : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [ الضحى / 11 ] . وتذكّرا بكرم اللّه تعالى وإنعامه لقوله تعالى : وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [ الذاريات / 55 ] . إلى أن قال : في ص 12 : وبالجملة لمّا رأيت الاشتغال بهذا العلم الإلهي من أسباب التهيئة لتحصيل السعادات العظمى ، والتوجّه إليه من المعدّات الموصلة إلى الدرجة العليا ، لأنّه كان سببا لإصلاح ذات البين الّذي هو أفضل العبادات وأشرفها لقوله تعالى : لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [ النساء / 114 ] . وموجبا لإرشاد الطائفتين الّذي هو أعظم الكمالات وأنفسها ، لقوله عزّ وجلّ : إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ [ الصّافات / 60 - 61 ] . ولمّا رأيت أيضا أنّ دفع الالتماس والبخل به من أكبر الكبائر ، ومنع هذا الاستدعاء والإمساك عنه من أعظم القبائح ، لأنّ العلم كالمال مثلا بل هو أشرف منه ،